ابن تيمية
178
مجموعة الفتاوى
مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ أَنْ يَبْنِيَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هُنَا الْوَلَدَ حِينَ وُلِدَ بِهَذَا الطَّالِعِ . وَهَذَا الْقَدْرِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي أَحْوَالِ هَذَا الْمَوْلُودِ ؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ جُزْءاً يَسِيراً مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ . وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُوجِبُ مَا ذُكِرَ ؛ بَلْ مَا عُلِمَ حَقِيقَةً تَأْثِيرُهُ فِيهِ مِثْلُ حَالِ الْوَالِدَيْنِ وَحَالِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ مَحْسُوسٌ فِي أَحْوَالِ الْمَوْلُودِ ؛ وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا مُسْتَقِلّاً . ثُمَّ إنَّ الْأَوَائِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَجِّمِينَ الْمُشْرِكِينَ الصَّابِئِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ قَدْ قِيلَ إنَّهُمْ كَانُوا إذَا وَلَدَ لَهُمْ الْمَوْلُودَ أَخَذُوا طَالِع الْمَوْلُودِ وَسَمَّوْا الْمَوْلُودَ بِاسْمِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا كَبُرَ سُئِلَ عَنْ اسْمِهِ أَخْذ السَّائِلِ حَالَ الطَّالِع . فَجَاءَ هَؤُلَاءِ الطَّرْقِيَّة يَسْأَلُونَ الرَّجُلَ عَنْ اسْمِهِ وَاسْم أُمِّهِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ ذَلِكَ الدَّلَالَة عَلَى أَحْوَالِهِ وَهَذِهِ ظُلُمَات بَعْضهَا فَوْقَ بَعْض مُنَافِيَة لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ . وَأَمَّا اخْتِيَارَاتُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الطَّالِع لِمَا يَفْعَلُونَهُ مِن الأَفْعَالِ : مِثْلَ اخْتِيَارَاتِهِمْ لِلسَّفَرِ أَنْ يَكُونَ الْقَمَر فِي شَرَفِهِ وَهُوَ " السَّرَطَانُ " وَأَلَّا يَكُونَ فِي هُبُوطِهِ وَهُوَ " الْعَقْرَبُ " فَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَذْمُومِ . وَلَمَّا أَرَادَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنْ يُسَافِرَ لِقِتَالِ الْخَوَارِج عَرْض لَهُ مُنَجِّم فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَا تُسَافِرُ ؛ فَإِنَّ الْقَمَرَ فِي الْعَقْرَبِ ؛ فَإِنَّك إنْ سَافَرْت